منتدى القراء

23/12/04

 

 

ظاهرة المستقلين في صفوف المعارضة الليبية

 

إتجاه خاطئ أم صحيح

 

بقلم: أفتات

 

منذ مدة طويلة وبالي مشغول بانتشار ظاهرة المستقلين في صفوف المعارضة الليبية، وآليت على نفسي تتبع هذه الظاهرة في صمت دون ضجيج معتمدا ـ بعد الله تعالى ـ على السمع غير المباشر والقراءة(1) دون توجيه اسئلة او توزيع استبيانات تحليلية أو حتى فتح حوارات والإستماع إليهم عن قرب، وخصوصا عندما لامست من أحدهم صعوبة شديدة في سبر غوره فيما يريد أن يصل إليه مبتغاه من خلال الإستقلالية هذه!!. قد يقول قائل إن حُكمك على هذه الظاهرة والنتيجة التي سوف تخرج بها لم ولن تكون صحيحة بأي حال من الأحوال مالم تتصل بهم جميعا أو على الأقل تتصل بعينة عشوائية منهم تتشابك معها ذهنيا كي تصل إلى مرادك من هذه المراقبة الصامتة. أقول إن هذا الكلام أقرب للصواب منه للخطأ، ولكن مع هذا لا يمكن أن نقلل من إمكانية تتبع هذه الظاهرة عن بُعدْ، والخروج بخلاصات تلامس الحقيقة أو تصيبها.

 

 أسترسل وأقول إن مُرادي من تتبع هذه الظاهرة هو معرفة الدوافع والمحفزات الرئيسة التي ساعدت على تنامي هكذا ظاهرة أو على الأقل معرفة خراطيم المياه التي سقت وغذت شجرة المستقلين الوارفة، ثم الخلوص إلى معرفة المآلات التي سوف يصل إليها المعارضون المستقلون، وهل هم في الإتجاه الخاطئ أم الصحيح؟.

 

في الحقيقة ظاهرة المستقلين في صفوف المعارضة الليبية بدأت تجد لها رواجا في ميادين الخارج خلال العقد الرابع(2) من تاريخ الصراع مع الباطل، وتحديدا مع انتشار ظاهرة الإنترنت، حتى أصبح عددهم  يتزايد إلى درجة تُشكّل في ما معناه تنظيم المستقلين!! وهذا التنظيم المجازي يفوق تعداده أحيانا تعداد فصائل معارضة لها تاريخ طويل وحافل لا يتعدى تعداد منتسبيه أصابع اليدين العشرة!!.

 

والمعارضون المستقلون ـ في رأي ـ هم نسيج معقد يتكون من شرائح عدة متباينة ايديولوجيا وغير متماسكة لائحيا، لكنّها في المقابل تتفق جميعها على معارضة النظام شريطة عدم الإلتحاق بركب فصيل من فصائل المعارضة. وهنا عندما أقول بأنهم متباينون فكريا وغير متماسكين لائحيا لايعني بحال من الأحوال بأنهم غير عاملين وفاعلين في مقارعة الظلم والظالمين.

 

في تصوري طول أمد الصراع بالإضافة إلى إخفاق المعارضة الليبية في تحقيق ماسعت إليه منذ عقود ودخول فصائل المعارضة وخصوصا في فترات سابقة ـ وتحديدا العقد المنصرم ـ شرك الخلاف المذموم أفرز حالة من اليأس والقنوط في نفوس بعض المعارضين مما نتج عنه انزوائهم وانكفائهم بعيدا عن حلبة الصراع والتدافع الجمعوي. والمتتبع لأغلب الخلاف الذي حصل في العقد الماضي يجد مرده عدم فهم طبيعة الإختلاف والتنوع الحركي، بالإضافة إلى سيطرة وغلبة النفسية الحساسة على حساب العقلية والنفسية المتفتحة المتقبّلة للرأي الآخر والمباركة له في السّر إذا ما كان صوابا. أي في الحقيقة لم يكن هناك إختلاف جوهري في الإقرار بظلم النظام والمعاناة التي يعيشها الليبيون، ومن ثمّ وجوب مقارعة الظلم والإسراع بعودة البلاد إلى حالة الأمن والإستقرار المنشوديْن، إنما الخلاف نتج عن النظرات الحزبية الضيقة وتقديم مصلحة التنظيم ـ أحيانا ـ على مصلحة الوطن، حتى ولو لم يقر المعارض بذلك. ثم إن ضعف التربية الجمعوية وغياب روح الفريق وضعف الإلتزام بالعهود والمواثيق أدى إلى الوضع الهش والقلق للمعارضة وافتقارها إلى رؤية وإستراتيجية واضحة أفرزت ظاهرة اضطراد المستقلين في ساحات الخارج. والمعارضون المستقلون في الحقيقة وإلى هذه اللحظة لا يزالون يبحثون عن ذواتهم في صحراء التيه السياسي المعارضي، والدليل على ذلك هو بروز أو انتشار ـ هذه الأيام ـ الدعوات إلى تكوين لجان عمل مشتركة من مثل اللجان الحقوقية، أو اللجان المظاهراتية، أو اللجان الإعلامية والتي أغلبها تتشكل من المعارضين المستقلين. هذه اللجان التعبوية التي يحب أن ينخرط في أعمالها المستقلون لهي دليل آخر على التخبط الطبيعي الذي يعاني منه المستقل الباحث عن هوية يلتصق بها ويعمل من خلالها. طبعا أنا هنا لا أشكّك ولا أُحقّر من الظاهرة بالأساس بقدر ما أتخوف من ازدياد الظاهرة على حساب المعارضة المنظمة، وبذلك تتحلل المعارضة الليبية إلى كينونات صغيرة قزمية لا تلتزم ببيعة ولا ميثاق، وبذلك تذهب سنون صبرنا ومقارعتنا للظلم هدرا!!.

 

وإذا ما بحثنا عن الدوافع الكامنة لسلوك هذه الدروب عند بعض المستقلين نجدها في ضعف أو عدم استعدادهم النفسي لتحمل أعباء بيعة التنظيمات المكبلة أحيانا للطاقات الكامنة في دواخيلهم، وهنا قد أوافقهم في بعض آرائهم بخصوص التكبيل التنظيمي إلا أن اجتماعنا على الحسن أفضل بكثير من تفرقّنا على الأحسن كما يؤكد علماء الإدارة. وبعضهم يٌشمّع على استعداد الآخر لسماعه إذا كان يقف في خانة اللاتصنيف، أي أنه يعتقد بعدم استماع الآخر له إذا ما كان منظما!! وهذه بدعة سمعتها من أحد المستقلين، ويكأن المعارضة هي استحان سماع الآخر لرأيك!! عجيب.

 

 في تصوري البسيط مهما أوتي المعارض المستقل من ملكات عقلية ونفسية و مهما أوتي من دربة في اللسان ومهارة في الكتابة ووضوح في الرؤية يظل أضعف بكثير من المعارض المنظّم الذي لا يحوز على أغلب هذه الصفات، وهذه هي طبيعة الأشياء، فالفرد قليل بنفسه كثير بتنظيمه.

وهنا أتساءل إلى إي شئ سوف يصل إليه المعارض المستقل؟ في وجود الترسانة المعقدة والوضع الآسن والركام الثقيل والحالة الكارثية التي تسبب فيها النظام الحالي، والتي تستدعي تكثيف الجهود وتمتينها بين جميع شرائح المجتمع للدفع بعجلات التخلية والتحلية نحو النور.

أقذف بهذا السؤال في قلوب المستقلين لعله يستحثهم لمراجعة قراءاتهم الحركية، ويعينهم على تحسس وتلمّس مواضع أقدامهم في حلبة الصراع مع النظام الرمز.

 

أفتات

Iftat12000@yahoo.com   

  


 

1.     السمع غير المباشر والقراءة اقصد بهما تتبع آرائهم  وقراءة مشاركاتهم الكتابية عبر المنابر الإعلامية المعارضة دون

 توجيه اسئلة مباشرة لهم بخصوص ظاهرة العمل المستقل.

 

2.      غياب ظاهرة المستقلين خلال العقدين الأولين، وبروزها خلال عقد التسعينات، ثم انتشارها مع انتشار الانترنت خلال العقد

 الرابع

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.