|
|
||||||||||
التقيت فى باريس فى الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1952 بمندوبى الدول العربية، وكنت قد جئت مع مندوب الامم المتحدة الذى قدم تقريره الى اللجنة السياسية عن تنفيذ قرار الامم المتحدة باستقلال ليبيا فى تاريخ لا يتعدى اليوم الاخر من تلك السنة. وقد عجبت لمبلغ جهل معظم المندوبين لوضع ليبيا الحقيقى. وأعجب ما فى الامر أن أكبر مندوبى هذه الدول قد هاجموا هذا الاستقلال الوليد مما حير أنصار العرب القليلين فى اللجنة السياسية. على إنه يجب هنا أن اسجل ملاحظتين.
فقد طلب منى السيد عبد المنعم مصطفى وزير مصر المفوض فى سويسرا، وكان مندوب مصر فى اللجنة السياسية أن أبين له حقيقة الوضع الذى اطلعت عليه عن كثب أثناء وجودى فى ليبيا فى بعثة الامم المتحدة إذ كنت أوثق الناس صلة بالملك ومندوب الامم المتحدة على السواء. فجلوت له موقف الملك السنوسى على حقيقته وهو موقف ناصع الوطنية. وقد كان السنوسى حريصاً على أن تسد الامم المتحدة عجز الميزانية الليبية بدل أن تسده بريطانيا. غير أن الامم المتحدة ليست لديها أموال مخصصة لسد عجز ميزانيات الدول. وكان السنوسى يرغب بعد أن تحقق من استحالة قيام الامم المتحدة بسد العجز، فى أن تسد هذا العجز مؤقتاً الدول الصديقة لليبيا وفى طليعتها الشقيقات العربيات! ولكن السياسة المصرية فى ذلك العهد البائد كانت سياسة سلبية محضة وكانت مصر لا تعترف بالحكومة الليبية القائمة.
ومهما يكن رأيى فى أشخاص الحكومة الليبية وطريقة تأليفها ومهما يكن رأيى فى الانتخابات التى جرت فى ليبيا، فإن الحقيقة الرئيسية تبقى وهى أنه لم يمكن تشكيل غير تلك الحكومة بغير ذلك الاسلوب فى ذلك الظرف الحرج وفى الموعد المحدد لتنفيذ قرار الامم المتحدة. ومن الحق أن أقول إن اصطباغ المعارضة الليبية فى ذلك الحين بالصبغة المصرية العزامية وما كان يشيع فى الاذهان من أن تلك السياسة العزامية كانت تستهدف قيام جمهورية طرابلسية منفصلة عن برقة وفزان، بدلاً من تشكيل حكومة اتحادية تحت اللواء السنوسى، وعطف العناصر الإيطالية المتمركزة فى طرابلس على مثل هذا الاتجاه، ومن ورائها الحكومة الايطالية وأنصارها من دول أمريكا اللاتينية الكاثوليكية، كل هذه العوامل كان لها أثرها فى تنحية أولئك الاشخاص الذين ساد الرأى، عن خطأ أو صواب، بأنهم أدوات للسياسة المصرية العزامية، وإبعادهم عن سفينة الاستقلال الليبية إلى أن تصل إلى شاطىء الامان.
ولم يكن السيد عبد المنعم مصطفى قادراً على تغيير اتجاه السياسة المصرية فى تلك اللحظة. ولكن كان بعيد النظر حين استهل خطابه فى اللجنة السياسية برفع الملك إدريس السنوسى فوق النقد الذى صبه على الحكومة الليبية وبتنزيهه عن أى تأثر بالنفوذ الاستعمارى. وكان لهذا التصرف اللبق فى التوفيق بين مصلحة مصر البعيدة وسياستها الاضطرارية الموقتة أحسن الوقع فى نفس الملك إدريس الذى كان يضمر لمصر أصدق الود برغم ما أثارت سياسة حكومتها حوله من العجاجات المنغصة.فهو قد كان يدرك أن هذه العجاجات لا بد أن تزول وأن العوامل الشخصية فى السياسة المصرية المرتجلة لا تستطيع إلا أن تستسلم اخر الامر لمنطق التاريخ والوضع الجغرافى الذى يجعل من الصداقة الليبية المصرية حالة طبيعية منسجمة مع حقائق الحياة.
والملاحظة الثانية هى أن السيد أحمد الشقيرى مندوب سوريا فى اللجنة السياسية، وهو صديق كريم، يشع منه النبوغ الفلسطينى الذى يزعج الحكومات العربية لعدم تلاؤمه مع طبيعة تكوينها، كان مطمئناً إلى صدق شعورى الوطنى، واثقاً بتحليلى الواقعى للوضع الليبى. ونحن أبناء فلسطين، الذين حرقنا الالم، لم نعد نتأثر بهذا الخداع السياسى الذى يقوم على التظاهر بالتطرف والإغراق فى الوهم والذى لايؤدى اخر الشوط إلا إلى إغراق الشعب فى مزيد من ماسيه!
ورأى الاستاذ الشقيرى سخف موقف الجامعة العربية من القضية الليبية وقدر صلابة هذا الملك العصامى المجاهد الذى لايبتغى إلا حرية بلده، زاهداً فى هذه المظاهر التى ظلت تزين قصور الهواء العربية...
وكيف نحمل على استقلال ليبيا مهما يكن ضعيفاً عند ولادته، وأقصى ما نطالب به لتونس ومراكش هو دون هذا الاستقلال على مابينهما وبين ليبيا من الفارق العظيم فى المستوى الثقافى والاقتصادى وفى الثروة الطبيعية. فكان أحمد الشقيرى أجرأ المندوبين العرب فى موقفه فى اللجنة السياسية. فقد استطاع بلباقته الممتازة وذكائه الحاد أن يحول نغمة السخط على المولود الليبى الضعيف، إلى نغمة أمل فى أن يشب حراً، طليقاً، قوياً، وأن يستدرج السياسة الفرنسية إلى أن يحدث مثل هذا الحدث السعيد فى مراكش وتونس، حتى يقدر لها العرب هذا الصنيع بعد هذا التطور الدولى فى العلاقات الانسانية.
وكان أبلغ ما قاله أحمد الشقيرى فى خطابه هو أن الملك إدريس زعيم الشعب الليبى، وليس من المعقول أن يكون أحرص على الاستقلال الشعب الذى قضى حياته مجاهداً فى سبيل حريته.
والواقع أن الساسة العرب حين يفكرون فى ليبيا فانما يفكرون من خلال جو مشاكلهم من حيث لا يشعرون ، وهم لذلك ينتظرون منها أن تتفق كل اتجاهاتها مع اتجاهاتهم فى سبيل الخروج من ذلك الجو الغائم!
ولكن ليبيا تختلف فى جو مشاكلها عن بقية الاقطار العربية. فهى أولا قد كانت مستعمرة ايطالية، ولولا انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية لبقيت مستعمرة إلى اليوم. والحقيقة التاريخية التى لا سبيل إلى طمسها هى أن القوات البريطانية هى التى حررت ليبيا من القوات الفاشستية، ومن هذه الحقائق أيضاً أن حكمة السنوسى السياسية هى التى أدت إلى تفاهماً كان الطريق الوحيد إلى استقلال بلاده.
ومن الحقائق التى يجب أن يدركها العرب البعيدون عن ليبيا هى أن هذه البلاد الصحراوية الفقيرة لا تملك من أسباب القوة الحديثة ما تذود به عن كيانها إذا هبت فتنة بين العناصر الايطالية والعناصر الوطنية، وادت إلى تدخل إيطاليا ومن ورائها العالم الكاثوليكى!
يتبع.... |
||||||||||
|
|
||||||||||
|
|
||||||||||