15/01/05
|
من الافق السنوسى
تأليف. يوسف عيسى البندك
الحلقة الحادية عشر
ذكريات سنوسية
والصورة الاخرى للغضبة السنوسية، قبل الاستقلال أيضاً، تتلخص فى أن كمية هائلة من أوراق النقد الليبى قد طبعت فى بريطانيا وظهرت صورة الملك إدريس فى يسارها. وغضب السنوسى لأن رأيه لم يؤخذ فى ظهور صورته التى طبعت على أوراق النقد، ولأنها طبعت إلى اليسار لا إلى اليمين وهذا مخالف للتقليد العربى. والواقع ان تأثره كان ثورة للكرامة الوطنية وجلس خبير النقد يحدث الملك إدريس وكان إلى جانبه السيد منصور بن قدارة. وحاول السيد قدارة بسجيته الرقيقة أن يحمل الملك على التغاضى عن الأمر إذ أن رفض اوراق النقد واتلافها يؤدى إلى خسارة كبيرة فقد كانت تكاليفها أكثر من مئتى الف جنيه. ولكن هذه اللغة المادية لم يقدر لها أن تصل إلى نفس الملك إدريس. فهو فى سبيل الكرامة الوطنية يريد الاعتراف بمسؤولية خطأ وقع، لا تسويغاً ناعماً للخطاً. وكأنما أحس المستر بت هارد اكر الخبير البريطانى بأن الأسلوب الذى اتبع كان أسلوباً غير موفق. فقال فى لهجة فيها الالتماس الخاضع المستسلم:(إن الذى وقع كان خطأ وكان ينبغى أن لا يكون)، وأعتذر عن هذا الخطأ. وعندئذ زال تجهم الملك وانطلقت أساريره لأنه لا يقبل أن يفرض عليه أو على بلاده أى شىء فرضاً وإن تكن بلاده لم تستقل بعد. والواقع أن الخطأ كان يعود إلى سوء تفاهم سببه موظف بريطانى وصفه السنوسى بأنه (مظلوم) إذ يظلم الذى يحمل مسئولية فوق طاقته العقلية.
ويتصل بهذا الغضب للكرامة حادث اخر أحب أن لا يضيع. وهو أن وزارة الخارجية البريطانية قد عرضت على الملك السنوسى تعيين المستر بلاكلى الذى كان رئيساً للإدارة البريطانية فى ليبيا مدة الاحتلال، وزيراً مفوضاً لدى البلاط الليبى. وقد كان المستر بلاكلى فى الواقع رجلاً طيب القلب، وكان يحب أهل ليبيا ويؤثرهم على الطليان فيها. وقد امتعض أشد الامتعاض يوم أعلنت بعد الحرب اتفاقية بيفن – سفورزا التى نصت على ارجاع طرابلس إلى إيطاليا، وقد شجع العرب على المظاهرة ضد تلك الاتفاقية. وقد علمت أن رئيس الوزارة الليبية الأول السيد محمود المنتصر كان وجه رسالة إلى الحكومة البريطانية يستحسن فيها تعيين المستر بلاكلى وزيراً فى ليبيا. فلما عرض على الملك إدريس أمر التعيين رفضه رفضاً باتاً وكان مرجع الرفض إلى أن المستر بلاكلى كان حاكماً إدارياً فى بلد محتلة، وقد أصبحت ليبيا الان بلداً مستقلة، ومن الاساءة إلى كرامتها أن تضن عليها بريطانيا بوزير حقيقى! واعتقد أن مما حمل السنوسى على هذا الرفض هو أن المستر بلاكلى كان فى يوم من الايام مصدر السلطة العليا وربما اعتاد أن ينظر إلى نفسه على أنه حاكم فى بلد مستعمر. ولم يعد فى ليبيا مجال إلى مثل هذه النظرة. فقد أراد الملك إدريس جو ليبيا نقياً لا ترى العين فيه إلا نسيم الحرية يداعب أفقها المضرج بدماء الشهداء.
وكلف المندوب بالتوسط لدى الملك. ولكن المندوب لم يكن قد نسى بعد الغضبة السنوسية التى تعرض لها منذ حين. فلجأ إلى إذ كان يعلم مبلغ ولائى للملك إدريس ومبلغ ثقته بى وأرادنى على أن أرى ان كان مزاج الملك إدريس يحتمل مثل هذه الوساطة. وحدثت الملك إدريس فى الأمر، ولمست صلابته وأنه عن قراره لن يحيد. ونصحت المندوب أن ينسى الموضوع فنسى!
الصورة الأخيرة التى أريد أن أنهى بها هذه الذكريات والخواطر هى اخر ماانطبع فى ذهنى عندما ودعت السنوسى لآخر مرة وهو متوجه إلى زيارة الآثار العربية فى الأندلس. وقد حالت الظروف منذ ذلك الحين دون اتصالى به اتصالاً شخصياً، على أنه قد ظل فى خيالى عزاء روحياً عن هذه المؤلمات التى تحدق بالعربى على جميع آفاقه إذا لم يحسن التملق والمداهنة وإذا عجز عن حمل نفسه على إظهار الرضى عن منغصات الحياة السياسية التى تكلف النفس الكريمة من الإرهاق والعناء ما يحملها على الثورة حملاً. ولقد كان السنوسى ملماً بما تقاسيه الروح العربية فى هذه الجاهلية الثانية من تنغيص مصدره هذا الطغيان السياسى الذى يقيد المجتمع العربى بصخرة القرون المظلمة. فكان حريصاً على أن يكون الدستور الليبى دستوراً ديمقراطياً تتبلور فى نصوصه حقوق الإنسان الذى خلقه الله حراً. وأكتفى هنا بتسجيل ملاحظة صديقى المرحوم الدكتور محمود عزمى، الذى كان أنضج عقل سياسى عربى فى هذا العصر، حين عرضت عليه نسخة الدستور الليبى قبل استقلال ليبيا وكان ذلك اثناء اجتماع مجلس ليبيا فى جنيف سنة 1951، فقال إنه فوق المستوى السياسى لأى قطر عربى. وانى لأجد نفسى مسوقاً الى هذا الاستطراد سوقاً. فإن الألم الذى يعتلج فى النفس يتغلب على منطق القلم ويتحول به عن هدفه الذى يوشك أن يصل إليه تحولاً يوصل إلى الهدف عن طريق مرتفعات لابد من الصعود إليها أولاً قبل الانحدار إلى الساحل المنشود!
يتبع....
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()