|
|
||||||||||
يمتاز الملك ادريس بأنه واسع الآفق لا يحصر تفكيره فى حدود القطر الليبى، وانما يعتبر هذا القطر جزءاً من شمال افريقيا العربى الخاضع للاستعمار الفرنسى والآسبانى. وهو فى قرارة نفسه يعتبر رسالته انقاذ شمال افريقيا العربى من ربقة الاستعمار. ولكن الملك ادريس يمتاز أيضاً بتركيز تفكيره على الحقائق ونبذ الآوهام فهو يدرك ضعف الدول العربية وانقسامها وهو لذلك لم يلجأ الى اساليب الزعامة العربية الملتويه التى تطلق الآلفاظ الحماسية فى الآفق السياسى لتخلب الآلباب لحظة ثم تخيبها دهراً. وانما لجأ الى الطرق العملية الوحيدة المتيسرة. ومن هذه الطرق نصائحه التى لاتخلو من الانذار الى رجال الدبلوماسية الغربية الذين يريدون صداقة بلاده. فهو يشعر أولئك الساسة الغربيين بان كسب صداقته لن يكون باستمرار الظلم الواقع على شمال افريقيا العربى. فهو- على عكس الدول العربية- لايضحى بجيرانه فى سبيل سياسة محلية وانما يضحى بالمصالح المحلية فى سبيل الهدف البعيد. فهو فى وطنيته متصوف حقاً، يسمو فوق المظاهر العارضه، ويهدف الى وحدة روحية تحقق الوحدة السياسية العربية التى كان الاسلام روحاً لها فان فقدته فقدت روحها.وقد كانت زيارته لآسبانيا عام 1953 زيارة عاطفية للاتصال باثار المجد العربى فى الاندلس، ولكنها كانت أيضا زيارة فيها مجامله التقديرللجنرال فرانكو الذى أظهر فهماً جديدا لنفسية الشعوب العربية وامالها.وهو رجل صامت يؤمن بالعمل الجدى ويكره الضجة التى يثيرها غيره من زعماء العرب حول أنفسهم فى الصحف والاذاعات فهو مجرد من كل طلاء لآنه لا يقصد الى خداع أحد، وهو رجل تقى ورع وهو لذلك متواضع يرى فى هذه الكبرياء التى يضفيها البعض على انفسهم تخطياً للآداب الانسانية التى جاء بها الاسلام. فالحكام خدم الشعب وليسوا الهته، والبلاد التى تحول فيها حكامها الى الهة هوت الى درك سحيق فى كل عصر، واذا كان المؤمنون اخوة فأى معنى لهذه الغطرسة المتعجرفة التى تزدرى وجودهم الانسانى!من هذا الافق السامى، باشعته السمحة الصافية، ينظر السنوسى الى شعبه والى الشعوب العربية المبتلاه. ومن هذا الافق السامى فاجأ الجمعية الوطنية الليبية وهى مجتمعة لاقرار الدستور، بتنازله عن الحق فى عقد المعاهدات واعلان الحرب. فهو قد جاهد فى سبيل حق شعبه ومن حق شعبه ان لايفرض عليه مصيره فرضاً.ومن هذا الافق السامى، نزلت ارادته بالغاء كلمة الجلالة، لآن الملك رجل لا يختلف عن البشر الا فى عظم مسؤولياته والجلالة لله، وعقل الانسان لايحتمل هذه الصفات الالهية! والبساطة فى الحقيقة والمظهر هى الصورة الحقيقية للنفس الطاهرة التى تبتغى الخير.هذه هى حكمة الصحراء الشاسعة فى الافق العربى الزاهى بألوان الاثم...اسلوب سياسىحزن الملك ادريس حزنأ عميقأ صامتأ صمت أغوار البحر، لمأساة عرب فلسطين التى ماتزال جرحأ ينز فى القلوب العربية غير الملوثة!ولقد زار فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية وقبل الكارثة، فلقى فيها الترحيب الحار والعطف الشديد والحفاوة البالغة. ولقى فيها وهو المجاهد، الصابر، الحر الجو الروحى الذى يستسيغه، الجو المضطرم بنار الكرامةالثائرة التى تزدرى الموت. احب أهل فلسطين حباً خالصاً عميقاً، وفاض قلبه بالحرارة فى اماكنها المقدسة. ولكن الملك ادريس الذى أنضجته السنون الثقيلة فى كفاحه الوطنى الطويل، وفى منفاه القاسى ينظر الى الايام من افق ايمانه الناصع، نظرة تحليل مجرد يستهدف الصميم. فهو ليس من أولئك الساسة الذين يغرقون فى عواطفهم ويتحول العقل فيهم الى جنون وطنى. فوطنيته ليست شعوراً سطحياً يثور ويهدأ وانما هى ايمان عميق لايتزعزع ولايعرف الخضوع.ورأى الملك ادريس بمزيد من الآلم والحسرة، مظاهر الخداع السياسى الذى مارسه ساسة العرب واحرزوا به مأساة عرب فلسطين! ورأى بمزيد من الآلم والحسرة، سياسة الارتجال العاطفية التى حالت دون تجميع القوة واقتناص الظروف للوصول الى الهدف. فليست السياسة لحناً يردد فى كل ظرف ولا هى صرخة تتكرر فى كل واد ولا هىمثابرة على خطة حتى بعد أن يثبت عدم تلاؤمها مع الظروف والآوضاع المحلية أو الدولية القائمة. وانما هى ملاءمة للظروف المتغيرة، وملاءمة الظروف المتغيرة تقتضى تغيير الآسلوب مع الاحتفاظ بالهدف البعيد.ولم يشأ الملك ادريس، ان تذهب ليبيا ضحية الارتجال أو العاطفة أو الخداع. وانما اثر أن يتعرض الى نقد أولئك الذين برعوا فى الارتجال والعاطفة والخداع، لتحقيق الآمل الذى جاهد من أجله وهو حرية وطنه المعذب. والواقع أن تكيفه مع الظروف السياسية المتقلبة واخضاعها الى عقله المجرد، دون السماح لعاطفته بأن تعكر تفكيره الصافى يدل، بالاضافة الى حنكته السياسية، على الايمان المستقر فى أعماق روحه والذى تحطمت عليه الزعازع التى تجرف ضعاف الايمان فى تيارها. والساسة الملوثون الذين يسعون الى مجدهم الشخصى، ينساقون مع العواصف العاطفية، بل هم يخلقونها خلقاً لكى ترتفع بهم على هذه الذرى الخيالية من الوطنية الزائفة العقيمة.والسنوسى قد كان بريئاً من هذا المرض الخلقى، لآنه صاحب رسالة روحية طهرية متسامية فوق هذه الشهوات الآرضية التى يرزح تحتها الساسةالمعاصرون. ولسنا نسرف فى الخيال اذا قلنا ان كفاح السنوسى كان فى صميمه كفاحاً روحياً أدى الى نصر سياسى. فقد ناضل فى سبيل تحرير الروح الاسلامية وبعثها فى صفاء اشراقها، فكان الكفاح السياسى جزءاً من الكفاح الروحى لازالة الظلمة النفسية التى يفرضها الظالم. والكفاح السياسى من هذه الوجهة كفاح روحى لآن الشخصية الانسانية لايمكن أن تنمو فى البلاد التى يخيم عليها الظلم السياسى. والكفاح من أجل تحرير الشخصية الانسانية، هو كفاح روحى قبل أن يكون كفاحاً سياسياً. ومن هنا كان الحكم الوطنى ذاته ناقصاً اذا كان هذا الحكم حكماً ظالماً يحول دون نمو الشخصية الانسانية، فالاستقلال الذى لايضمن الحرية للفرد هو عبودية بلون جديد.ولذلك كان هذا الآسلوب السنوسى، فى صراعه السياسى، أسلوباً جديداً يمكن تصويره بأنه أسلوب الايمان والعقل لا أسلوب العاطفة والخيال.يتبع.... |
||||||||||
|
|
||||||||||
|
|
||||||||||