|
|
||||||||||
يمتاز الملك ادريس بأنه رجل يمتنع عن النزوات، فهو عميق لا تسيطر عليه الانفعالات النفسية التى لا يكاد ينجو منها رأس عربى فى هذا العصر، ويذهب ضحيتها الآبرياء من الآحرار الذين لا ينافقون ولا يتملقون اذا عبروا عن ارائهم ولم تؤات هذه الآراء هوى صقور الحكم، أو اذا وشى بهم الوشاة المتأنقون فى السفال الذين رفعتهم الخسة لارضاء خسة عليا! وماأكثر ما يحوم النفاق حول الملوك وما أكثر ما يتمرغ على أقدامهم المنافقون! والملك ادريس يزدرى النفاق والمنافقين لآنه معصوم من الغرور ولآنه متعلق بالحقائق الروحية لا يقيم وزناً لهذه المظاهر المزخرفة التى يقيم لها غيره الدنيا! فهو يدرك أن الشعور الذى لايصدر عن القلب ليس من حقائق الحياة، وانما هو من مظاهر الموت الآدبى. والملك الذى تقتات كبرياؤه فى صحراء خلقية قاحلة هو رجل محروم من كرامة الحياة، بل هو صورة من صور الموت تستمد ألوانها من المواد الفانية التى لا تبقى على الدهر.وهذا العمق السنوسى هو الذى مكن سفينة الجهاد الليبية من الوصول الى شاطىء الاستقلال الأمين برغم جميع العواصف. فقد كان الحسد الذى يحرك المتنافسين على الحكم يحمل الى الملك إدريس كل يوم صورة من الطعن من شخص على شخص اخر. فكان هذا الملك الصالح يستمع إلى أولئك المتنافسين جميعاً فى ابتسام هادىء تستحيل معه النزوات. وفى هذا الابتسام الهادىء كان يحيل التيارات المتخاصمة، مع الايام، الى قوة منسجمة تسرى فى الجسم الليبى وتساعد على نموه الطبيعى.وقد كان الملك إدريس يعلم فى بعض الفترات أن أحد وزرائه كثير الصلة بجهة معينة من الجهات التى تريد صداقة ليبيا. وكان يعلم أن وزيراً اخر من وزرائه كثير الصلة بجهة أخرى غير ليبيا من الجهات التى تربطها بليبيا روابط اللغة أو الدين. فلم يكن يضطرب لهذه الصلات بل كان ينظر اليها على أنها محاولات صادرة عن وجهات نظر مختلفة فى سبيل هدف واحد هو تقوية الاستقلال الليبى. وكان يترك للايام أن تثبت صحة هذا الاتجاه أو خطل ذلك. وقد حالت هذه الحنكة السياسية دون الاصطدامات بين الكتل والشخصيات. وقد استفادت ليبيا من هذه المساعى جميعاً.وقد كان الملك إدريس يستقبل مندوب الامم المتحدة وهو رجل بارع فى لباقته التى كانت تنزلق عليها الحقائق فى بعض الاحيان. وكان يقابل ممثلى الدول المختلفة المتضاربة المصالح المختلفة فى أهدافها. فكان يستمع اليهم جميعاً ويبتسم إليهم جميعاً ثم يحلل فى هدوء هذه الالوان المختلفة قبل أن يبدى رأياً فيها أو أن يقرر اتجاهاً بصددها. بهذا الهدوء كان يخرج من المأزق المحرج إذا طلب ممثل دولة لا سبيل إلى تجاهل خطرها مطلباً لا ينسجم كل الانسجام مع المصلحة الليبية القومية. فقد كان الملك إدريس فى تواضع جميل يصرح بأن هذه من الامور التى يجب أن يبحثها المختصمون الذين يفتقر هو الى علمهم وخبرتهم ولا يجيز لنفسه أن يقتحم عليهم مسؤليتهم فى شأن هو أجهل منهم فيه. بهذا التواضع الوادع كان يرفض الملك إدريس أن يكون أداة طيعة لاى قوة أرضية فى عصر يفتخر فيه غيره بقدرتهم على تصريف الامور كما يشتهون كأن إلغاء ارادة شعوبهم وخيانة مصالحها مصدراً من مصادر العظمة، وهم لايدرون، فى غمرة غرورهم، أنهم قد انحطوا بأنفسهم إلى مومسات قومية لن يزيل الزخرف الذهبى من حقيقة سفالها شيئاً.ولقد شعر بعض الشخصيات الدبلوماسية الاجنبية بشخصية السنوسى الروحانية شعور تأثر وإكبار. وأذكر أن الذى يقابل الملك إدريس فى هدوئه وبساطته يشعر بشخصيته الروحانية التى يفيض إشراقها على النفس.ولعل من الحق للتاريخ أن نذكر أن الملك إدريس أبى أن يتزوج غير زواجه الوحيد برغم حاجته إلى ابن يخلفه على العرش. ولو تزوج لما كان مشتطاً فى دينه بل لوجد جميع الموسوغات الدينية والسياسية والقومية. ولكنه يعيش فى عمق روحانى مندمجاً فى الحقيقة الازلية العليا، وهو فى هذا العمق الروحى بعيد عن شهوات الجسد وشهوة المجد الشخصى فليس الخلود للملوك...يتبع.... |
||||||||||
|
|
||||||||||
|
|
||||||||||