24/12/04
|
من الافق السنوسى تأليف. يوسف عيسى البندك
الحلقة الرابعة الخلق السنوسى
يعتز الملك السنوسى بانتمأئه الى الاسرة الهاشمية، ولكنه اعتزاز مصدره الورع والتقوى. فهو يشعر فى أعماقه بأن هذه الصلة التاريخية التى تناسب به فى منعرجات القرون الى منبع الوحى، هى قيد أدبى متين ومسئؤلية خلقية ثقيلة. وإذا توهم العقل إذا ضل، إو النفس إذا غوت، أن هذا النسب التاريخى هو امتياز خلقى او امتياز قومى يبيح الانطلاق من الضوابط الاخلاقية والقومية المفروضة على الناس وأنه منزلة فوق الفضيلة والتقوى، فان الملك الصالح إدريس السنوسى من اشد الناس حرصاً على مقاومة مثل هذا الضلال. فهو يرى أن المنتسبين إلى هذا المنبع مسؤولون عن تحقيق صفاء فكرته فى حياتهم الاجتماعية والسياسية على السواء.
الملك الصالح إدريس السنوسى يحس فى اعماقه مع الحزن الممض أن العرب اليوم يعيشون فى جاهلية عصرية بالمثل الصالح. ومن هذا الشعور العميق يفيض تواضعه الجميل وزهده فى هذه المظاهر التى يحرص عليها غيره ومن هذا الشعور العميق يشرق عدله الساطع دون تمييز. ومن هذا الشعور تنبعث أيضاً وطنيته الحارة التى لا تهدر ولا تعرف الضجيج، لان الوطنية فى أعمق معانيها شعور إنسانى رقيق يستجيب إلى ما فى المجتمع من الالم والظلم والفساد استجابة الثورة على الالم والظلم والفساد. وهو لذلك شديد الحنو على المجاهدين الذين اضطهدوا لجهادهم ولانهم اعتصموا بمعقل الكرامة فلم ينزلوا إلى سفساف التملق والرياء، وهو طريق المناصب فى هذا العصر العربى المريض.
وقد انجذبت إليه قلوب الصفوة من الاخوان المسلمين الذين يعيشون بالفكرة فى سبيل الفكرة. ومن الجميل أن أذكر هنا أنه يوم حرقت القاهرة قبل ثلاث سنوات فى أواخر عهد فاروق، كان كرسى العرش السنوسى قد تم صنعه فى احدى دور القاهرة التى أخذت تلحسها ألسنة النيران، فاندفع فريق من الاخوان المسلمين وسط اللهب وأوصلوه سالماً إلى بنغازى عاصمة برقة.
وسأعرض صوراً قليلة لتواضعه وعدله ووطنيته.
وهل أبلغ من تواضعه أنه بعد اعتلاء العرش أصدر إرادة ملكية بأن يظل لقبه الرسمى أمير برقة؟ أو لم تكن برقة ساحة جهاده؟ أو لم ينكب أهلها بصورة خاصة فى التفافهم حول زعيمهم أمير برقة وهو يناضل لقهر الاستعمار الايطالى؟ أو لم يكن الاستقلال نفسه ثمرة لهذا الجهاد؟ وإذن، فكيف يجوز أن يصبح مظهر الملك أعز من حقيقة الجهاد؟!
امير برقة، هو اللقب العزيز إلى قلوب بقايا الجهاد الليبى المرير،فليبق اذن صورة للتواضع والعزة القومية مابقى للعرب تاريخ!
ولا أستطيع أن أقاوم رغبتى فى رواية الحادثة التالية التى يتجلى فيها التواضع السنوسى فى نبله الطبيعى. كنت فى غالب الاحيان أقابله مقابلة خاصة قبل أن أقابله مقابلة رسمية مع مندوب الامم المتحدة فى سبيل جلاء الضباب السياسى الذى كان يتكون بعوامل دولية ذات أثر بعيد. وكان إخلاصى لعروبة ليبيا وولائى لزعيمها العظيم إدريس السنوسى، فوق أى اعتبار رسمى اخر كمركزى الرسمى، مثلا، فى بعثة الامم المتحدة.
وفى ذات صباح قبل موعد اجتماعنا الرسمى بساعتين، اجتمعت بالملك إدريس فى حجرة صغيرة بقصره البسيط خارج بنغازى. وأخرجت ورقة من محفظتى كنت كتبت عليها رؤوس أقلام بالنقاط الجوهرية التى أردت إيضاحها. ثم انتهى الحديث واستودعته الله على أن أعود بعد ساعة ونصف مع مندوب الامم المتحدة للاجتماع الرسمى، فذهلت بعد عودتى بعد ساعة ونصف حين قال لى: (مازلت منذ غادرتنى جالساً فى مكانى لانك نسيت محفظتك على المنضدة هنا ولم أشأ أن أنقلها إلى مكان اخر وكذلك لم أشأ أن أتركها فى الحجرة لئلا يمسها أحد الخدم فى القصر!).
هذه الحادثه صورة جلية للخلق السنوسى فى تواضعه الطبيعى الذى لا يسمو إليه خلق عرفته فى هذا الزمان!
أما عدله فإنه ليذكر بعدالة عمر بن الخطاب رضى الله عنه. فمرضاة الله هدفه الاسمى، أما مرضاة البشر وحتى عائلته وأقرب الناس اليه، فيجب أن تخضع لمرضاة الله.
قتل شاب من أعضاء الاسرة السنوسية المالكة المرحوم إبراهيم الشلحى ناظر الخاصة الملكية. وقد كان الشلحى رجلاً عادياً بسيطاً. وتألم الملك إدريس أشد الالم للذى جرى وأظهر رغبة قوية حاسمة فى أن يجرى العدل مجراه حتى فى شخص من أعز الناس عليه. وتدخلت العائلة السنوسية المالكة واسترسلت فى الالتماس، ولكن الملك إدريس أقر حكم الموت فى السنوسى الشاب. وقد قيل لى إن الملك إدريس عزف عن أفراد الاسرة الذين كان من الطبيعى أن يتدخلوا لعرقلة سير العدالة، لان مرضاتهم ليست مبتغاة!
ومن الحق إن أذكر بهذا الصدد أن السنوسى قد برهن على وفائه فى ركوبه هذا المركب. فقد كان الشلحى ظلاً للسنوسى فى أيام جهاده ومنفاه فلم يتخل عنه السنوسى يوم أوصله الجهاد إلى العرش! فظل الشلحى ظلاً اميناً للسنوسى. وقد عرفت إبراهيم الشلحى ومن الحق أن أقول إنه كان أخلص رجل فى ليبيا للملك إدريس. وقد حدثنى مرة سفير دولة غربية عن تدخل الشلحى فى الامور السياسية تدخلاً فى غير مصلحة الدولة التى يمثلها ذلك السفير، وأطلعت الملك إدريس على هذا الامر فى أحد أحاديثنا الخاصة وكان قلبه الطاهر ينفسح لى وكنت أشعر بأن عطفه على كان عطف الوالد البار على ولده المخلص. فأكد لى أن الشلحى لايتدخل فى الامور السياسية ولا يفهمها.
ويجب أن أقول بهذه المناسبة إن الملك إدريس، على عكس ما قد يتصور بعض السطحيين، لا يتأثر بالمؤثرات الشخصية فى تقرير اتجاهاته السياسية. فقد كنت وثيق الصلة به واطلعت على مختلف المؤثرات التى كانت تتفاعل من حوله وكيف كان يخضعها جميعاً للمصلحة القومية العليا حتى وإن خالفت شعوره الشخصى نحو صديق قديم وفى. ولذلك فمن السخف الاعتقاد بأن هذا الخلق القوى كان عرضة لمؤثرات شخصية جاهلة. ولكنه الحسد يلذع البشر حين يجدون شخصاً يعتقدون أنهم فوقه إدراكاً وذكاء ومكانة، أقرب منهم إلى قلب ملكهم. وهم لا يكلفون أنفسهم مشقة استقصاء سبب هذا العطف. وهل من ينفق حياته ظلاً لقائده لا يستحق عطفه الشخصى على الوفاء؟!
أما شعوره الوطنى النقى الرقيق فسأعرض له بذكر حادث تأثرت له أشد التأثر.
فقبل انعقاد أول برلمان ليبى سنة 1952، وهو يوم إشراق الاستقلال الليبى الذى يعتبر بعثاً قومياً بعد أن كادت الامة الليبيه تزول تعذيباً وإفناء، وبعد أن غرق صوت عذابها فى ضجيج القوة الوحشية ولم يسمع له أى صدى، فى هذه المناسبة القومية التاريخية التفت الملك المجاهد إلى السنين المظلمة الماضية. فقد أراد أن يدعو شخصيات عربية لحضور الاحتفال الرسمى بهذا البعث السياسى. فماذا فعل؟ لم يدع الملوك والوزراء... وإنما دعا المجاهد محمد على الطاهر الذى وقف حياته على الدفاع عن قضايا العروبة، وظل بعيداً عن المناصب والمنافع، بل ظل مضطهداً مرغماً على الصمت بعد أن كانت جريدته الشورى صوتاً داوياً صادراً عن ضمير الشعوب العربية المعذبة. وكانت هذه الالتفاتة السنوسية أعظم ترضية سياسية لهذا المجاهد الكبير الذى لم يذكره زملاؤه فى الجهاد يوم أشرقت عليهم الدنيا بعد عبوس!
وكانت هذه الاشراقة السنوسية أجمل دليل على أن هناك ملكاً وطنيته ليست مظهراً وجهاده ليس طلاء وخلقه ليس كأخلاق العصر...
وأذكر يوماً وكان معتمد الامم المتحده المقيم فى ليبيا يطلع الملك السنوسى على أن بعثة الامم ستستقدم بعض الفلسطينيين من أصحاب الكفاءات للعمل فى ليبيا.
وهنا التفت الىَ الملك إدريس وقال: أريد منك أن تطلع على أسماء هؤلاء الاشخاص فإذا كانوا من الفلسطينيين الاحرار فأهلاً بهم ومرحباً وإن كانوا من غير هؤلاء فلا نريدهم!
وأذكر يوم حصلت أزمة الملك طلال أن الملك إدريس الذى كان يعرف طلالاً ويعجب بروحه الوطنية، كتب لى يستفسر عن أزمته الصحية ليطمئن إلى ما يجرى فى الاردن ،فأفضيت إليه بألمى!
أما السنوسى فقد اعتاد أن يحول ألمه الوطنى إلى حكمة سياسيةتنضج فى صمت وتستقر مع الايمان...
يتبع....
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()