منتدى القراء

27/12/04

 

 

 

من الافق السنوسى

 

تأليف. يوسف عيسى البندك

  

الحلقة الخامسة

  

السنوسى والمعارضة السياسية

 

يمتاز النظام الديمقراطى عن النظام الدكتاتورى المقنع بأنه ليس حكم الحزب الواحد  أو الكتلة التى يتخللها لون سياسى أو اجتماعى معين، وإنما هو الحكم الذى تنتعش فيه المعارضة التى تمثل فى النظام الديمقراطى يقظة الشعب إلى حقوقه ومصيره. والسلطة التى لا رقيب عليها لا بد أن تجنح إلى  الاستبداد، وليس النظام البرلمانى الصحيح إلا وسيلة لاخضاع السلطة لرقابة الشعب، مصدر القانون والسلطة جميعا. والحكومة التى تحاول خنق المعارضة فإنما تحاول خنق روح الديمقراطية نفسها!  وصحة أى بلاد سياسياً تقاس بقوة المعارضة السياسية فيها. ومعارضة اليوم هى حكومة الغد. ولذلك فإن المعارضة القوية تعنى الحكومة القوية. ومهما يكن الامر، فالذى لا يحتمل الجدل هو أن المعارضة هى الصفة الغالبه التى يتميز بها الحكم البرلمانى الديمقراطى الصحيح.

 

وإذا كانت الروح الديمقراطية قد نمت بتأثير الثقافة فى الغرب مع الاجيال فإن هذه الروح قد ولدت فى المزاج العربى وهو اعمق من الثقافة. والاسلام الذى خلق العرب كوحدة سياسية قد أخضع السلطة للشورى فأطلق بذلك المعارضة وجعل من تعارض الاراء طريقاً إلى اى قرار. وليس أدل على عمق هذه النزعة فى المزاج العربى وعلى مكانتها فى قلب الاسلام من تلك الكلمات التى ستظل خالدة على التاريخ، كلمات الإعرابى الذى قال لعمر رضى الله عنه:( والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا!) ولكنا مع الاسف نعيش فى عصر لايقوى فيه السيف على تقويم الاعوجاج بل نحن نعيش فى عصر أعوج!

 

والسنوسى غريب فى هذا العصر الاعوج لانه صديق للمعارضين، ماتنزهوا عن الاغراض. فهو يشجعهم ويحترمهم ولايؤثر بعطفه الحكومة القائمة فى ظله لان الحكومة ليست إلا مجموعة من الاشخاص هدفها خدمة مصالح الشعب، وهذا أيضاً هو هدف المعارضة الاسمى! وبقدر حرص المعارضة على حقوق الشعب، تكون مراقبتها للحكومة القائمة ونقدها لسلوكها. ثم إن المعارضة لا تبقى معارضة والحكومة لا تبقى حكومة فى الحياة السياسية الديمقراطية. ولذلك فأحترام المعارضة وتقديرها هو احترام لحكومة الغد وتقدير لها. وإذا كان من مصلحة الغد أن تكون الحكومة فيه قوية فمن المصلحة اذن أن تكون معارضة اليوم قوية تتمتع بالصحة والعزيمة ومضاء الإرادة.

 

والسنوسى لا يتكلف مشقة عقلية فى النفاذ إلى هذه الحقائق. فهو بطبعه عزوف عن المظاهر، يعيش فى جو الحقائق الروحية العليا، وهو لذلك يرى الحكومة وهماً إذا تجردت من حقيقتها الوطنية، وهو رجل لا يقدس الاوهام!

 

ولقد كان الملك الصالح إدريس السنوسى يحدثنى فى صراحة بعد أن توثقت صلتى به. فما سمعت منه يوماً لفظاً قاسياً يوجهه إلى رجال المعارضة حتى الذين كانت نزاهتهم موضع الشك. بل لقد كنت أشعر بعطفه على المعارضة وتقديره السامى لرسالتها فى مجتمع لا يصلحه إلا النقد المستملر النزيه. ولقد كان أبرز رجال المعارضة فى شدة الازمة السياسية يفرغون لى صدورهم فى غير حذر، فكانوا جميعاً يعبرون عن أصدق الولاء والإجلال لملكهم الصالح الذى ظل مترفعاً عن التيارات الحزبية، ولم يسمح لاى جماعة فى الحكم أو خارج الحكم أن تستغل نفوذه الادبى لدعم موقفها.

 

وقد علقت بذهنى صورة تمثل هذه النظرة السنوسية السمحة إلى الحياة. ففى الحفلة التى أقامها إدريان بلت مندوب الامم المتحدة على شرف الملك إدريس بعد دخوله التاريخى إلى طرابلس فى موكب الاستقبال، أحد رجال المعارضة الذين تميزت معارضتهم بالعنف ولم تخل من اثار الحقد، فابتسم له الملك ووقف يحدثه حديثاً يستفيض بالرضى والحلم كأنما كان يتحدث إلى صديق حميم!

 

بهذه السماحة الرضية يعيش السنوسى ملاذاً روحياً، فوق الموج السياسى الذى تضطرب فيه زوارق الحكم.

 

يتبع....

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.