30/12/04
|
من الافق السنوسى تأليف . يوسف عيسى البندك
الحلقة السادسة
جوهر الوحدة
لايخلو تاريخ الشعوب من كفاح بينها وبين ملوكها لقمع استبداد الملوك. وقد كان الملوك فى طفولة العقل الانسانى يستمدون سلطانهم من القوة الإلهية فكانت طاعتهم فرضاً دينياً وكان استبدادهم لوناً من ألوان الإرادة الإلهية. ولكن الظلم كان من العوامل التى أيقضت العقل الانسانى إلى الشك فى هذه السلطة الإلهية وكان أيضاً من بواعث ثورة الروح على طغيان القوة المادية فى أشكالها المختلفة. ومع انتصار الديمقراطية فى العالم الغربى الحديث تهذب الملك وأصبح رمزاً للسيادة القومية، وانفردت الدكتاتورية السافرة باستيعاب السلطة وتركيزها فى ذاتها. وحياة مثل هذه الدكتاتورية هى جحيم منظم وليس من المعقول أن تستقر الروح الإنسانية فى جحيم! ولذلك فإن هذه الدكتاتوريات هى ظلال سوداء فى التاريخ تحمل فى طبيعتها عناصر زوالها.
والشعوب التى مازالت تعانى ضغط ملوكها الذين يمثلون رواسب القرون المظلمة، لا تستطيع قبل أن تتخلص من هذا الضغط أن تستجمع قواها فى سبيل النهوض. ولما كان الحكم الديمقراطى الصحيح هو حكم الشعب، لذلك كانت الزعامة فى الامة إلى الموهوبين من ممثلى هذا الشعب. وفى بريطانيا فى هذا الجيل، وهى المثال الاعلى للنظام البرلمانى الديمقراطى، تمثلت زعامة الشعب فى شخص ونستون تشرشل، لا فى شخص الملك لان الملك ليس إلا زخرفاً تاريخياً ورمزاً سامياً يستمد عظمته فى خيال الناس من حقائق العظمة فى قوة الشعب.
أما فى ليبيا وهى الدولة التى ولدت حديثاً ومازالت طفلاً رضيعاً إذا قيست بالسنين، فإن هذه الازمة الروحية التى يرويها لنا التاريخ بين الشعوب والملوك لا أثر لها فى حياتها السياسية. وسر ذلك أن الملك هو زعيم الشعب. فقد كان الملك إدريس الزعيم الوطنى الذى حمل لواء الجهاد وظل فى نضاله العنيد إلى أن حقق حرية شعبه بعد أن كادت تزول مقومات هذا الشعب، وبعد أن كاد يفقد حلمه فى الاستقلال. وهو من حيث اجتماع إرادة الامة فى شخصه والتقاء امالها فيه وتناهى ولائها إليه، يعيد إلى الذهن عهد الخلفاء الراشدين. وهذه الصورة السمحة لعهده لاتستيقظ فى النفس لهذه الاسباب وحدها، بل يحققها فى النفس ما يتجلى فى حياة هذا الملك الزاهد من الصلاح والبساطة والتقوى والعدل والانصراف عن مرضاة الناس إلى مرضاة الله! فهو فى وطنيته متصوف إذا جاز أن يكون هناك تصوف وطنى أو وطنية صوفية. لان وطنيته إنما تعكس صفاء طبعه وطهارة تفكيره وسلامة إيمانه فلا يكاد يخلو عمل من أعماله السياسية والاجتماعية من أثر الدين فيه. وليس أبعث على الشر فى حياة الشعوب من فصل الدين فيها عن السياسة فصلاً تاماً. وأنا أعنى بالدين هنا جوهره وهو التسامح، وفى الدين الحق تزول العصبية القومية فإن ( أكرمكم عند الله أتقاكم ) فالتقوى ميزان للافراد والشعوب. وأوروبا التى حطمت طغيان السلطة الدينية فى تاريخها الاسود، جمحت جموحاً مادياً كلفها هذه المصائب المتلاحقة، إذ نبذت الدين نبذاً من الحياة السياسية والاجتماعية. فهى قد جعلت من الدين مظهراً ورمزاً مثلما صنعت بملوكها. وربما كان من أسباب هذا الجنوح امتزاج الملك والكنيسة فى طغيان الحكم وضلاله. ومهما يكن من أمر فإن الدين حقيقة جوهرية وليس مظهراً ولو امتزج الدين حقاً بالملك فى مامضى من الزمن، لهذبه وطهره وأحاله عدلاً ورحمة، ولكن الملوك الذين استبدوا امتزجوا بمظهر الدين تعزيزاً لاستبدادهم ولاضفاء ظل من القداسة عليه... حتى تستساغ مرارته التى فيها حكمة الله.
والقلب المجرد من الحقائق الدينية لابد أن يخضع للتأثيرات المادية خضوعاً لا مقاومة فيه. ولذلك يشيع الفساد إذا كان ساسة الحكم مجردين من وازع الدين، لا يسمع صدى لصوت الله فى ضمائرهم. وهذا هو سر العفة التى امتاز بها الحكم فى عهد الخلفاء الراشدين وهو سر الفساد الذى يمتاز به الحكم العربى فى هذا العصر.
والسنوسى مثال حى على امتزاج الدين والسياسة فى الحكم. فعدله ووطنيته الصافية وتواضعه وبساطتة، هذه كلها أثر الدين فى نفسه وأثر نفسه فى الحكم. والواقع أن السنوسى كان سبب اتحاد أقاليم ليبيا الثلاثة وهو مايزال سر تماسكها، والجوهر الروحى لوحدتها السياسية.
فعسى أن يقيض الله لهذا الملك الصالح أن يعيش حتى تستقر فى عهده دعامات الوحدة الليبية. وإنى إذ أحمل نفسى على التفكير فى مستقبل ليبيا بعد السنوسى، فانى أحملها على ماتكره! وكيف لاتكره أن تتخيل جوهر الوحدة يضمحل فى التاريخ...
يتبع....
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()