13/06/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
لقد عرفنا على مدى الاربعين عاماً الماضية ماذا يريد قادة الانقلاب العسكري عبر سلسلة من الشعارات والتجارب السياسية والاجتماعية التي طبقت على الشعب الليبي وكأنهم فئران معملية ليس إلا. فمن الإشتراكية إلى الوحدة العربية إلى الوحدة الإفريقية والسلطة الشعبية والجماهيرية وما صاحبها من إلغاء للقوانين بعد قتل الدستور وما صاحب ذلك من فوضى على مختلف الصعد، لم تثمر سوى تخلف سياسي واجتماعي وحضاري، وانهيار لكافة المرافق الحيوية والبنى التحتية.وفي نفس الوقت تعرّفنا على ما تريده مجموعات المعارضة الليبية بكل اطيافها ورؤاها الايديولوجية أو الدينية عبر اطروحاتها ونشراتها وفعالياتها وتجاربها التي لم يحالفها النجاح ولم يرافقها النضج لأسباب لست في مجال التعاطي معها هنا.وبالطبع عبر عقود من القهر والإرهاب والسحل عرفنا ما تريده مليشيات اللجان الثورية عبر ممارساتها في الشوارع والمساجد والجامعات وحرمات البيوت.ونسمع مؤخراً عما يريده من يسموّن بالاصلاحيين عبر اطروحات وتمنيات وخطط وخطب لم تجد بعد طريقها الفعلي إلى حياة المواطن الليبي اليومية.وفي الوقت الذي يحاول فيه عدد من المثقفين تقديم أراءهم على خجل ووجل وهم يحاولون معاينة سقف الحرية أو بالاحرى حدود الاستبداد وفسحة الحرية الضيقة، نجد أن الغائب الأول كان ولا يزال الشعب الليبي الذي يتحدث الجميع باسمه وبالنيابة عنه. رغم كل الشعارات الرنانة التي تندد بالتمثيل وتصفه بالتدجيل، نجد أن الكل يحاول تمثيل الشعب والتدجيل باسمه.وفي دوامة الفوضى اللامسبوقة واللامعقولة التي تعيشها ليبيا اليوم، حيث تصدر القرارات في الصباح ليتم الغاءها في المساء وتُطلق الوعود في المساء لتذيبها حرارة شمس الظهيرة اللافحة، ويتم الترخيص للمؤسسات لتسحب تراخيصها قبل أن يجف مداد صدورها. فيوم ستوزع فيه الثروة، ويوم سيتم فيه اعادة الهيكلة وعشية سيتم فيها إعادة الممتلكات المغتصبة، ومساء سيتم خلاله إعمار البلاد ولكن وفي النهاية لا يعدو الأمر كونه دوامة قاتلة، وعبر لعبة اليويو الصاعدة والنازلة يتم التلاعب بالشعب المسكين وبعواطفه وحاجاته وأمانيه ، كما يتم نكئ جراحاته وقتل آماله يوم بعد يوم. والكل يستمر في لعبة تمثيل الشعب وقيادة الشعب دونما كلل.لابد أن نطرح السؤال المحوري الأساسي: ماذا يريد الشعب الليبي؟ماذا يريد العامل الليبي الذي يكدح ليل نهار وهو يحاول كسب رزقه ورعاية اسرته؟ ماذا يريد الموظف الذي يجد نفسه أسير وظيفة حكومية أو مؤسسة حكومية لا تسمن ولا تغني من جوع، يتسوّل راتباً من الحكومة لا يكفي سد رمقه وينتظر تقاعداً في الوقت الذي تتلاعب به وعود النخبة الحاكمة عبر جملة من الوعود مثل نيل نصيبه من عائد النفظ أو زيادة محدودة لراتبه الشهري؟ ماذا يريد الطالب الذي تخرج حديثاً من نظام تعليمي فشل في اعداده لمواجهة احتياجات المستقبل، يسعى للبحث عن وظيفة تغطي مصاريفه مهما كانت بعيدة كل البعد عن تخصصه الدراسي، في الوقت الذي يبحث فيه عن سكن متواضع لبدء لبدء حياة اسرية جديدة؟ ماذا يريد الليبي الفقير الذي يفترش الأرض ويتلحف السماء، يعيش في الأكواخ والمباني الخربة والتريلات الخاوية؟ ماذا يريد الليبي الذي يرى اسعار النفظ تصل إلى مستويات لم يسبق لها مثيل ويرى مشاريع العمارات الشاهقة والفنادق الفخمة وخطوط الطيران الجديدة وشركات الهواتف النقالة والعلاقات الجديدة مع العالم، في الوقت التي لا يجد فيه مياه الشرب النظيفة أو المواد الغذائية الاساسية بأسعار مناسبة أو الرعاية الصحية التي تليق بإنسان القرن التاسع عشر ناهيك عن القرن الواحد والعشرين يعيش في بلد نفطي. وفي الوقت الذي يعيش فيه المواطن الليبي بين برك المجاري الطافحة ومحطات تكرير المخلفات العاطلة، والخدمات الأساسية التي تحفظ للانسان انسانيته وماء وجهه غائبة؟ ماذا يريد المواطن الليبي وهو يشاهد الفساد مستشر والرشوة اصبحت خلقاً ليبياً اصيلاً بعد أن كانت احدى المعايب التي نسمع عنها فقط ولا نراها. ماذا يريد المواطن الليبي وهو يحاول البحث عن علاج لنفسه أو لعائلته فلا يجد الاطباء ولا المستشفيات ولا الدواء ولا يملك المال للسفر إلى تونس أو الأردن أو أوروبا؟ماذا يريد المواطن الليبي؟هل يريد المواطن الليبي مزيداً من النظريات الفاشلة والوعود الفارغة؟ هل يريد المواطن الليبي المزيد من التنظيرات عن الاصلاح والتغيير وأحلام ليبيا التي ستتحول إلى (دبي) والدولة السياحية الجديدة التي تجتذب العالم وتقدم خدماتها لكل العالم ماعدا مواطينيها؟الكل يحاول أن يتحدث بالنيابة عن الشعب الليبي والكل يدعي تمثيل الشعب الليبي والبعض يدّعي أن الشعب يمثل نفسه ويحكمها ويملك الثروة والسلطة والسلاح. والكل يدعي معرفة ما يريده الشعب الليبي. الكل تكلم إلا هذا الشعب المسكين الذي لا يزال ممكم الفم مكتوف الأطراف. الكل تكلم إلا الشعب الليبي لم يتكلم بعد.ليس هناك من استطلاع يقدم لنا فكرة واضحة عما يريده الشعب الليبي دون تدخل أو تأثير أو تجيير من قبل أحد؟ لا اعتقد أن الشعب الليبي أدلى برأيه بحرية ودون تخويف أو تزوير منذ جولة أدريان بلت في ليبيا التي استفتى خلالها أراء الليبين في شأن حريتهم واستقلالهم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. فكان خيارهم الحرية والاستقلال.ماذا يريد الليبيون اليوم؟لا يمكنني ادعاء معرفة ما يريدون، ولكنني يمكن أن أقول أنهم يريدون ما ارادوه من قبل، الحرية والاستقلال والكرامة الانسانية، يريدون الحياة الكريمة، يريدون أن تتاح لهم الفرصة ليختطوا طريقهم وليبنوا مستقبلهم وليهتموا بأسرهم، يريدون التعليم التي يناسب القرن الواحد والعشرين، والعناية الصحية التي تليق بالإنسان، يريدون أن يستمتعوا بما حبا الله أرضهم من خيرات ظاهرة وباطنة. يريدون الحرية والاستقلال والكرامة التي كفلها الخالق للبشر... إنهم لا يريدون أن يكونوا فئران المعمل تُجرى عليهم تجارب النظريات وشطحات الفكر من أي جهة أو شخص كانت.في كل دول العالم يمكن للمرء أن يعرف ما الذي يريده شعب ما. فهناك استطلاعات الرأي واستفتاءات الرأي العام التي يعبر المواطنون عبرها عما يريدون ويبينون من خلالها اختياراتهم.هل ستجد الصحف ووسائل الاعلام الليبية الشجاعة للقيام باستطلاعات شاملة وجريئة تسأل فيها الليبيين عما يريدون حقاً وحقيقة؟وفي غياب الشعب وفي غياب اجابات الشعب ستستمر النخب الحاكمة أو المتمعشة قريباً من سدة الحكم في التفكير بالنيابة عنه والحديث بالنيابة عنه والتخطيط بالنيابة عنه وخدمة النفس واثراء النفس باسمه وبالنيابة عنه. وفي انتظار اجابة الشعب الليبي لا يسعنا إلا العودة إلى الرأي الليبي الحر الوحيد الذي ادلى به لادريان بلت يوماً عندما اختار الاستقلال.الشعب الليبي يريد الاستقلال من كل أنواع الاستعباد والاستبداد الاجنبية أو الوطنية. الشعب سئم من الوعود والتدجيل والضحك على الذقون.وإلى أن يقول الشعب كلمته تستمر الفوضى ويستمر التخبط، فالكل يعمل ولكن لصالحه. ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود والحقيقة المرة أنه لا يمكن للشعب أن يقول كلمته في غياب الحرية الحقيقية التي تكفل له الادلاء برأيه وتحديد مستقبله واختيار من يراهم أهلاً لثقته واصلح لقيادته.ما أطالب به النظام الليبي اليوم هو اتخاذ خطوة شجاعة واجراء استفتاء شعبي حر تشرف عليه مؤسسات دولية غير حكومية يستطيع الشعب الليبي عبره تحديد اختياراته وقول كلمته.
هل يريد أربعين عاماً أخرى من
نفس النوع والشكل والنتائج؟
|
|||||||