لا تذهبوا بعيدا
أعزائي القراء، فلست بصدد الحديث عن غثيان (سارتر) والمدرسة الوجودية فتلك
أمة قد خلت، ما أود الحديث عنه هو غثياننا نحن الليبيين داخل جماهيرية مهب
الريح العظمى، غثياننا نحن الحقيقي (دراه كبدنا) المتصل، إحساسنا بالتقزز
والحموضة الدائم، شعورنا بوشك التقيؤ أربعين سنة، ما أريد إيصاله لكم هو
إحساس الأسير الموثق وسط القذارة تحيطه الحشرات الطائرة والزاحفة، الملوثة
واللاسعة، اللادغة والناهشة من كل مكان، هو شعور من حضر تدمير أشيائه
الثمينة، من شهد اغتيال أمانيه وأحلامه، من رأى شر الخلق ينهبون ويسرقون
ويفسقون؛ ثم يُسْدُونَ النصحَ ويلقون الدروسَ في الأمانة والصدق والوطنية،
من رأى المخدوعين المغرر بهم الضحايا المسامين خسفا، المشبعين ركلا ورفسا ،
يخيرون بين حب جلادهم أو الشرب من البحر.
أنا هنا أحاول
بيان حقيقة مشاعر ضحايا الهزل والفساد، مستشهدا ببعض النماذج من العبث
وانعكاساتها السلبية المدمرة على الوطن وعلى المواطن .. نماذج فقط وإلا احتاج
الأمر إلى تأليف أضخم مجلد في تاريخ أسوأ عصابة .. هذه محطاتٌ فقط في رحلة
الغثيان المزمن الطويل عشْ معي:
>
شعور الأم أو الزوجة الثكلى التي أقحم ولدها أو زوجها في حرب
لا هدف ولا طائل من ورائها، حربٌ لا هي لتحرير أرض ولا لصد معتدي .. حربٌ لا
لشيء إلا لتتناقل الصحف والإذاعات أخبار الزعيم المصاب بداء العظمة .. عشْ
معي أحساس تلك المسكينة التي وجدت نفسها أرمله تعول قصرا وهي في ريعان الشباب،
عش شعورها وهي تحمل ملفا وتتنقل به بين مكاتب الأوغاد السفلة بحثا عن عمل أو
سكن .. عش مشاعر من فقد أو فقدت وحيدها وهما في أرذل العمر .. عش شعور
الأيتام الحالمين بعودة الوالد المدفون في رمال الصحراء .. عش شعور الأب
والأم اللذان أخذ ولدهما المتفوق دراسيا من المدرسة رأسا إلى تلك الحرب ليذبح
ذبح الشاة وهو نائم .. بينما أطفال من أشعلوا تلك الحرب يسرحون ويمرحون و
يحتفل بتفوقهم الدراسي الكاذب ويمنحون الرتب والألقاب.
>
شعور ذوي من زُجَّ بهم في غيابات السجون دون جرم "إلا
أن يقولوا ربنا الله" ودون محاكمة علنية ودفاع .. شعور الذي منع من البكاء أو
تقبل العزاء على ولده المعدوم ظلما وعدوانا .. شعور من فوجئوا بأحبائهم
يتدلون من أعواد المشانق ويتعلق بأجسادهم الطاهرة حثالة المجتمع بينما هتاف
المؤمسات الثوريات الداعرات يصك الأسماع.
>
شعور الذي خرج يترقب خشية الطلب ناجيا بنفسه بعدما يئس
العدالة في هذا الوطن مختارا على مضض ألم الغربة وذل الأغراب، والبعد عن
الأهل والأحباب على سجون الجلاد، وتعنت جلاوذته الرعاة الأعراب، متلمسا سبل
النجاة، مودعا تسلط الطغاة، ومع ذلك تلاحقه أيدي الغدر والإرهاب.
>
شعور المثقف الحالم ببلد يسوده العدل والرخاء، وتزهر
في ربوعه المحبة، بلد تتكافأ فيه الفرص أمام أبنائه، التفاضل فيه بالعلم
والعمل، يقدم فيه أهل البر المحسنين، ويؤخر أهل الغي والمين .. شعوره وهو يرى
بلاده التي رضع حبها مع حليب أمه يعبث بها شذاذ الآفاق المغامرون، يراهنون
على بقائها وراحة أهلها الطيبين، يراها وقد غدت حقل تجارب لتنظير الجهلة
والمجانين .. يرى شعبها ـ وهي من أغنى بلاد الدنيا ـ فقراء معدمين يعيشون على
أحلام الرخاء ، ووعود السفهاء المفسدين.
>
شعور المواطن الذي قضى نصف عمره ساعيا بين مكاتب
المماطلة والمساومة مكاتب سلطة القهر المسماة سلطة الشعب يجمع الأوراق وهو
يعرف أنها سترمى في سلال المخلفات، وسيؤمر بجمعها من جديد ملهاة كـ (بئر
اختبار عقول المجانين).
>
شعور الموظف الذي قضى ثلاثين سنة في العمل ليجد نفسه
خارج الملاك ويقال له بكل صفاقة أنت محال على المركز الوطني لإعادة التأهيل ،
دون مراعاة لوضعه الاجتماعي والنفسي وفارق العمر بينه وبين الشباب الذين
سيصطف معهم في طوابير طويلة أمام تلك المراكز اللعينة.
>
شعور أولئك الرجال الغيورين الوطنيين الممتلين تعصبا
وحبا لبلادهم وهم يرون أموال بلادهم ومقدراتها يعبث بها السفهاء، فتذهب هدرا
وتنفق على الملذات الشخصية وعلى أحلام الزعامات والبطولات (الدينكوشوتية)
المريضة ، بينما بلادهم تزداد تخلفا وضياعا وفقرا كل يوم.
ومع ذلك يفرض على
كل هؤلاء الإشادة بالانقلاب وقائده وتمثيل دور المواطن السعيد الذي يمتلك
الثروة والسلطة والسلاح ، ويقال لهم : كل الشعوب ستتحول إلى هذا النظام
البديع الذي يحسدنا عليه الغير ..!! يعني لا يكفيهم أن يعيش المواطن الذل
والضياع والفقر، بل المطلوب منه المشاركة في تضليل نفسه وأولاده ، والتصفيق
لأبطال الخديعة.
صقر بلال
حركة العصيان المدني بليبيا
Saqr_belal@yahoo.
تعليقـــــــــــات القراء
نداء صبري عياد (ريم ليبيا):
من وجهة نظري اخي صقر، اذا كنا جميعا متفقين على ان حياتنا كلها مذلة وضياع
وفقر، ونحن على يقين من اننا وصلنا الى الخط الأدنى من الحياة الإنسانية
الطبيعية، اذن علينا ان نتحرك، نفعل شيىء جديد لتحريك هذا الماء الساكن، ان
نقول لا لهذه االحياة التعيسة والا فلنصمت، وننسى مايدور حولنا ومانحن
عليه، ونبقى كما نحن، راضين قابلين لوضعنا المزمن. اخي صقر ليبيا تحتاج الى
3 اشياء حتى ننتهى من وضعنا هذا، نحتاج الى رجال + مال + وسلاح وإلا فإنا
لله وإنا اليه لراجعون جميعا.
خطاب61 (حركه العصيان المدني بليبيا):
اخي الفاضل صقر ما يدوم حال ونهايتهم اصبحت وشيكه وسينال كل ذي حق حقه من
هولاء الاوغاد,الم نري زيف امس وهو يعدهم ويوهمهم بالكذب وهو يصفقون له
وجلهم من هذا الحزب المتعفن حزب اللجان الثورية وهم من ارتكب الجرائم التي
تحدثت وبتحريض من القعيد معمر الطاغيه اليس كذلك وهو يحاول ان يطمس الحقائق
,ولكن لابد ان الشمس ان تشرق من جديد علينا جميعا في ليبيا الحبيبه
والسلام.
|