| |||||||||||||||||||||||||
بسم الله الرحمن الرحيم
[2] الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبيشهادة وتوضيح:لابد لي قبل البدء فى سرد حيثيات موضوع هذا الجزء، الذى سيتناول تنظيم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، أن أعرج على أمرٍ هام، يتطلب سياق الحديث المتناول ذكره؛ وهو الإعتراف الصريح، بإني قد أرتكبت بعض الأخطاء، فى مقتبل حياتي النضالية، والتى أتحمل المسئولية الكاملة عنها؛ ولا ألقى باللوم ـ عنها ـ على أحد سواي.ولعل ما يريح سريرتي، فى هذا الصدد، هو علمي اليقين بإن جميع الأخطاء التى أتتها نفسي فى تلك المرحلة، كانت بسبب عدم خبرتي بقواعد اللعبة السياسية، وإفتقاري للمراس الحزبي، حيث لم أخض أو أشارك فى أي عمل سياسي أو تنظيمي قبل تأسيسي لكيان الإتحاد الدستوري الليبي.[1]ولم يكن للنية الحسنة الصادقة، والتوجه الوطني المخلص فى أعماق نفسي، أن يمنعا وقوعي فى تلك الأخطاء، التى نجمت عن إنعدام الخبرة والتجربة فى المجال المطروق؛ إلى جانب بعض من العوامل الأخرى الخارجة عن أرادتي الذاتية ـ سيتم إجمالها فى النقاط التالية ـ كان لها مجتمعة، مع العوامل الذاتية السالفة الذكر، إلى خلق تلك الأخطاء.1. غياب، أو ندرة، المعلومات التوثيقية والمتخصصة، التى تؤرخ لأوجه وأبعاد الحياة السياسية فى العهد الملكي؛ حيث لم يترك رجال الحكم آنذاك، معلومات وافرة، تُسجل وتوثق لعهدهم، ولم يتركوا ورائهم أرشيف، يستطيع المهتم بشئون تلك الفترة، من اللجوء إليه لتحقيق مبتغاه.وقد واجه، وعانى الكثير غيري، من أفراد وتنظيمات المعارضة، على حد سواء، من جراء هذا النقص الحاد فى المعلومات الخاصة بتاريخ تلك الفترة. ولعل هذا ـ هو ـ أحد الأسباب الرئيسية التى دفعت بي، إلى تدوين كافة ما أعرفه من معلومات حول المرحلة الحالية، من أجل توثيق تاريخنا، وتسهيل الأمر على الدارسين والباحثين فى هذا المجال، فيم بعد.2. الإعتقاد السائد بإن الدول الكبرى تُعير قدراً من الإعتبار، لمعاناة الشعوب المقهورة؛ وأنها تولى أهتماماً كبيراً لأمر تحرير أرادتها؛ وتعمل ـ مجتهدة ـ على تمكينها من إرساء قواعد الديمقراطية فى مجتمعاتها؛ وأنها صادقة فى شأن مناصبتها العداء لنظام الحكم الفاسد فى ليبيا؛ وأنه لا يمكن لها ـ من واقع الشعارات والمبادىء السامية التى تنادى بها ـ أن تتأمر على مصلحة الشعب الليبي.هذا الإعتقاد الخيالي، ضلَّلني بزيفه، فى مستهل نشاط حياتي النضالية، وأوقعني فى مغبة إرتكاب بعض من الأخطاء المشار إليها، والسبب من وراء ذلك، يكمن فى عدم درايتي الكاملة بالقواعد التى تتحكم فى سياسات هذه الدول، وهى المتمثلة فى السعي إلى تحقيق مصالحها البحتة، وغير ذلك من الأمور الأخرى، فإنها مجرد أجرام تدور حول فلك هذا الهدف السقيم.وقد كلفتني هذه الأخطاء، الكثير من الجهد المضني، والوقت الثمين، فى المباحثات التى تمت مع ممثلي إدارة الحكومة الأمريكية[2]؛ والتى لم تكن ـ البتة ـ على حساب المصلحة الوطنية؛ فرغم قلة تجربتي، إلا أن الحرص على المصلحة الوطنية، كان هو شريان الحياة الذى تنبض به كافة حواس نفسي ووجداني.ومن الناحية الأخرى، لا أنكر أنني قد أستفدت من تلك الأخطاء كثيراً؛ ولعل الفائدة الكبرى، فى هذا السياق، هو تيقني بإن حل القضية الليبية ـ الهادف لتغيير نظام الحكم الفاسد ـ لا يمكن حدوثه إلاّ بتعاضد وتألف قوى نضال الشعب الليبي، وليس بالإعتماد على القوى الخارجية، التى لا يهمها فى هذا المضمار، إلا مصالحها. ولعل أصدق ما يدل على هذا الأمر هو المثل العربي، القائل:لا يحك ظهرك، مثل ظفرك ... فتدبر أنت، كل أمرك3. وثاني الإعتقادات الخاطئة، التى قادتني لإرتكاب بعض الأخطاء الإرتجالية، هو ظني بإن القيادات والحكومات العربية، تملك حرية إرادتها، فى إتخاذ القرارات التى تمليها عليها مصالح بلادها، تجاه القضايا والحقوق المختلفة (العادلة)، للشعوب العربية، على حد سواء.ولكن صدمتي كانت مهولة، عند إكتشاف خطأ إعتقادي فى هذا الخصوص، وإن معظم القادة العرب، محدودي الحرية، عندما يأتى الأمر للبث فى بعض القضايا المعينة، المتعلقة بمصالح القوى الكبرى؛ وعلى وجه التحديد، التى لا تلاقى القبول من إدارة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.وهذا ما أوقعني فى شرك، إهدار جهودي ووقتي، فى السعي لدى من هم لا يملكون حرية إرادتهم، ولا يستطيعون تحريك قطعة (واحدة) فى شطرنج سياسات بعينها، بدون أخذ الإذن المسبق، من إدارة الحكومة الأمريكية.4. أما السبب الرابع فى سلسلة العوامل التى ساعدت على وقوعي فى الأخطاء المشار إليها، يكمن فى وهم إعتقادي بإخلاص وصدق الشخصيات الليبية المرموقة، فى الولاء للملك إدريس (رحمه الله)، وللقضية الليبية.وعندما أنقشع البرقع الساتر، على مسن المحك العملي؛ أكتشفت، عند إتصالي بهذه الشخصيات ـ فى فترة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وما تلاها ـ بإن كثير منها، تتماثل فى طابعها مع طابع أسود السيرك، التى تجيد القفز من خلال قرص النار، وتزأر بملىء فمها عالياً، لكنها لا تستطع مجاراة أو مواكبة أفعال أبناء فصيلتها القاطنة فى الأحراش والغابات؛ فزئيرها لا يتطابق مع الطبيعة التى جبلت عليها، فى القدرة على الإفتراس.ما أردت قوله، أنني صدمت، بل أنه سادني رعب مهيب، من الصورة الحقيقية التى رأيت عليها بعض هذه الشخصيات، التى كُنت عاقد الأمل على عضدهم، ومؤازرتهم، لقضية بلادهم، ولمليكهم، الذى يمثل الشرعية الدستورية فى البلاد.فقد وجدت بعضهم، غارقين فى عصبيتهم القبلية والجهوية؛ وآخرين تغمرهم أطماع المصالح المادية؛ وما صفى منهم، إلاّ قلة صغيرة، صدق أفرادها فيم عاهدوا عليه ملكهم أمام ربهم.5. ومن الأسباب التى قيدت نشاطاتي، السابقة واللاحقة على تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وأوقعتني فى مغبة بعض الأخطاء السالف ذكرها، هى مسألة الدعم المادي، التى كانت تخضع لمعايير وحسابات، تحددها الجهات الداعمة، سواء كانت أفراد أو دول.ولعله من المسلمات المعروفة لكل مطلع فى هذا السياق، أنه يُعد أقرب إلى المستحيل، على أي تنظيم معارض أن يمارس نشاطاته المرسومة، دون أن تكون له ميزانية مالية معينة، ينفق من خلالها على كافة متطلبات النشاطات المقترحة.وتزيد هذه الميزانية أو تقل، بحسب كثافة برامج هذه النشاطات، المأمول تحقيقها لأهداف التنظيم المعني؛ والتى تدخل فى عدادها، فى غالب الأحيان، نفقات الأعمال الكتابية التى يتم طباعتها ونشرها وتوزيعها، مثل الكتب، والكتيبات، والمجلات، والنشرات الدورية، والمنشورات، والبيانات الصادرة عن التنظيم فى المناسبات الطارئة والعامة. كما يدخل فى حسبان هذه النفقات، تكاليف رحلات السفر المختلفة، وعمليات الإتصالات بمختلف وجوهها؛ كما تضم النفقات عمليات الإعداد للمؤتمرات الصحفية، والندوات التوعوية، وإعداد المظاهرات والإعتصامات المنددة؛ هذا إلى جانب النفقات المعيشية للإعضاء المتفرغين للإشراف على تنفيذ برامج النشاطات المختلفة.ومن هنا، يضطر أصحاب التنظيمات المختلفة، إلى بذل كافة جهودهم لتوفير متطلبات الميزانية المالية لنشاطات تنظيماتهم، من خلال اللجوء للمصادر المختلفة المتاحة، والتى يمكن حصرها فى هذا النطاق، بالنسبة لتنظيمات المعارضة الليبية، فى ثلاث مصادر:• مصدر التمويل الذاتي:وينقسم بدوره إلى مصدرين:
o تمويل يتم توفيره من داخل
التنظيم ذاته، أي بمساهمات مالية يقدمها الأعضاء، كل بحسب قدرته.
| |||||||||||||||||||||||||