19/09/2008
 

هولوكوست

بقلم: د. منصور عمر الكيخيا
ترجمة: مفتاح السيّد الشريف


 

هذا الاسبوع يشعر عقيد ليبيا معمر القذافى بأنه رجل سعيد. وكانت البداية مرور الذكرى السنويّه التاسعه والثلاثون على ثورته في الأوّل من سبتمبر. وقد استهلّ الإحتفالات بدعوة مجموعة من ملوك القبائل الأفريقيه لكي يمنحوه لقب "ملك الملوك" ويقدّموا إليه تاجا ذهبيّا مع الصولجان. أي أنه بلا خجل، نسى هذا الطاووس اللّيبي هُراءه الثوري، والأيديولوجيّة الغبيّة عن دولة الجماهير واللجان الثوريّة، فضلا عن أربعين عاما من الألام الليبيّة، وطفق يستعرض مثل مهرّج واضعا التاّج على رأسه. وبالتأكيد فالمظهر لا يناسبه، بل أكّد النكبة التي يشعر بها كلّ ليبي من أنه يرزح تحت ديكتاتوريّة إنسان متغطرس ومهرّج عابث، لا يتحرّج عن بيع ليبيا والليبيين إلى مقدّمي أدنى العروض.

 

وبالفعل، فإنه بعد هذا الإستعراض للغرور والخُيلاء، وقّع إتفاقا بمليارات الدولارات مع رئيس وزراء ايطاليا سيلفيو بيرلوسكوني بموجبه مُنحت إيطاليا أفضليّه الدخول إلى السّوق الليبي، والنفط، ومشاريع البناء. في المقابل اعتذرت إيطاليا عن احتلال ليبيا في عام 1912 ووافقت على تعويض ليبيا عن أربع وثلاثين عاما من الإحتلال الإستعماري بخمسة مليارات دولار تكلفة طريق مزدوج ساحلي يربط مصر مع تونس، على أن تبنيه شركات إيطاليّه. ولكن ربما يكون دهن الكعكه بالمذاق الحلو هي الضمانة التي قدّمها بيرلسكوني بحماية نظام القذّافي ضدّ الخصوم المحلييّن والخارجيين.

 

وبالنسبة لي شخصيّا فقد وجدت مجمل الصفقة مهينة لي جدّا، لأن القذّافي قام بالمساومة على حقوق 1,8 مليون ضحيّة من الليبيينن مقابل طريق ساحلي. ويبدو أنه نسي أنه لا يزال يدفع القسط النهائي من 3 مليارات دولار تعويضا عن قتل 300 نسمة على متن طائرة بان آم 103 فوق اسكوتلاندا بالإضافة الى 500 مليون دولار لضحاياه على متن طائرة UTA فوق النيجر. فهلّ حياة الإنسان الليبي أرخص من حياة الأمريكي أوالبريطاني أوالفرنسي، أو أي إنسان آخر؟

 

الإستعمار الإيطالي كان كارثه على الليبيين. فقبل وقت طويل من ظهورهم في شمال أوروبا، أقام الفاشيّون ثلاثة معسكرات إعتقال، وساقوا إليها جميع سكان المنطقة الشرقية من برقة. وأكثر من خمسين في المائة من سكّان ذلك الإقليم لقوا حتفهم في غضون فترة خمس سنوات. ولا توجد أرقام دقيقة لأن الفاشيه الإيطاليه لم تكن مدقّقة حسابات جيّدة مثل نظيرتها الألمانيّة، غير أن تعدادا أُجري بعد الحرب، قدّر عدد الضحايا بما يفوق 1,5 مليونا. والاسوأ من ذلك أن من بقي منهم على قيد الحياة فقدوا القدرة على حكم أنفسهم بأنفسهم. ومع قُرب نهاية الحرب العالمية الثانية وصلت نسبة االأُميّة في ليبيا رقم 99 ٪، فقد حرّم الفاشيون التعليم للأطفال ما بعد الصفّ الثّاني، وبلغ معدّل وفيّات الرّضّع، الذي يُقاس عادة بواحد في الألف، خمسا وأربعين في المائة.

 

وبالاضافة الى ذلك، فأنا شخصيّا لديّ مظلمة ضدّ النظام كونه يساوم نيابة عنّي، لأن مجمل الأعوام التي قضاها أعضاء عائلتي في السّجون والمعتقلات الفاشيّة يتجاوز المائة عام، ناهيك عن الذين ماتوا في الإعتقال.. ووالدي قضى خمسا وعشرين عاما في السجون الإيطاليّة والإعتقال المنزلي والمنفى. وأبناء وبنات وأطفال عائلتي الذين لم يُسجنوا في ليبيا، سيقوا إلى ظهور السّفن واعتقلوا في معسكر بجزيرة صقليّة. ولقد فقد العديد من البرقاويين أحبّاءهم بفعل التعذيب، والشّنق، او لمجرّد الموت جوعا في معسكرات الإعتقال. وإنها لجريمة أن يأتي هذا المهرّج ويساوم على حقوقهم. لأن بيرلسكوني رجل اعمال، ولا يهمّه الإعتذار او خمسة مليارات دولار، لأن كلّ ذلك سيذهب إلى الشركات الإيطاليّة في مدى عشر سنوات. وهو إذن، بضربة معلّم إستطاع في خمس دقائق أن يعتصر من الديكتاتور الأبله إمتيازات دفع آلاف الليبيين حيالتهم في معارضتها.

 

وهكذا فانتزاع التعويض من القذافي برز كالنجاح الوحيد للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس جورج بوش. وجاءت كوندي رايس في أوّل زيارة يقوم بها مسئول رفيع المستوى منذ 1953، طالبة من القذافي ضمان ان يدفع ما تبقى من مبلغ التعويض عن طائرة بان آم. لقد أمضت معه اربع ساعات، وبعدها عادت إلى تونس. ولكنها قبل أن تغادر إمتلأت أسماعها، ولقّنت محاضرة من الديكتاتور الليبي عن وجوب البقاء خارج افريقيا، وعدم إلقاء محاضرة عليه حول سيلسة إنتهاكه لحقوق الانسان.

 

في هذه المرحلة ليس في جعبة الولايات المتحدة إلاّ القليل من الأدوات، ولم يكن أمامها إلاّ العودة إلى الإعتراف الدّبلوماسي الكامل، والقذّافي يعرف ذلك. واغلب الظن أنه لن يقوم بالإفراج عن الأموال إلى أن يتمّ اختيار الرئيس الأمريكى القادم. والسيد بوش قد خدم هدفه، ويمكن الآن طرحه جانبا. فبقاء القذّافي بعد سبعة رؤساء، أعطاه فكرة جيّدة عن كيفيّة التعامل مع الإدارات الأمريكيّة. والخاسرون في كلّ هذا بطبيعة الحال هم الليبيّون الذين عليهم أن يعانوا سنوات أخرى من الجنون والقمع، وتلمّس حاجاتهم تحت الحذاء القذر لمجنون أبله ما انفكّت أنانيّته تلقى الملاطفة من قبل حماته الغربيين.

 

ترجمة: مفتاح السيّد الشريف

 

راجع المقال باللغة الإنجليزية


تعليقـــــــــــات القراء


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة