04/10/2008
 

قادش.. والسر
 
بقلم: محمد الجراح

أرشيف الكـاتب


 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ}
صدق الله العظيم [يونس:92]
 
السلام عليكم
 
بدأ انحسار النفوذ المصري في آسيا في عصر أواخر ملوك الأسرة الثامنة عشر كنتيجة مباشرة للاضطرابات التي خلفتها ثورة (إخناتون) الدينيه في الداخل. مما جعل الحيثيون يستغلون هذه الاضطرابات لكي يقوموا بقيادة تحالف ضد مصر, ونجاحهم في ذلك, وبالتالي فقدان مصر للكثير من مناطق نفوذها في أسيا الغربية, وذلك دون أن يتحرك الملك اخناتون لتلبية طلبات النجدة التي كان يرسلها إليه أمراء المدن الأسيوية الموالين لمصر فيما عرف بخطابات تل العمارنه.
 
رمسيس الثاني هو ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشر بحكم مصر لمدة 67 سنة (من1279 ق.م. حتى1212 ق.م) صعد رمسيس إلى سدة الحكم وهو في أوائل العشرينات من العمر, يظن أنه عاش حتى أصبح عمره 99 عاماً, إلا أنه على الأغلب توفي في أوائل تسعيناته, ويعتقد البعض أنه فرعون خروج اليهود من مصر.
 
فكان من الواجب المعنوي ذي الأبعاد المهمة لإعتلاء رمسيس الثاني العرش وتسلم مقاليد الحكم أن ينجز مجداً ما لمفهوم الحكم بذاك الزمن, وهذا المجد هو العلاقة المركزية المثلثة بينه وبين شعبه وكرسي الحكم, فهو من أسرة ذات تاريخ عظيم بحكم مصر, وأستمرارية هذه العظمة هي علاقة أخرى مع المجد ومفاهيم البطولة والتي تكون مركزاً وجوهراً للقداسة للحاكم, و بل لحدها البعيد لتنسج فكر الإلوهية بالمطلق, وهذه القيمة المهمة جوهرية تحتاج لنسج تاريخ بطولي بكافة أضوائه المشعة بالمجد والبطولة, وخصوصاً أن الفرعون رمسيس ببداية حكمه لمصر ووراثياً كان يجب أن يقوم بعمل ما ذي قيمة عظيمة تمجده وتجعله بطلاً بنظر شعبه من الفراعنة.
 
وهذه القيمة الجوهرية كانت تلوح بكل بد عند افتعال حرب ما ستكون مفصل مهم لبداية حكم رمسيس, بل ستكون الحرب هي الطالع الأكيد والمؤكد للبطولة المطلقة, فكانت (قادش) هي شعاع هذه الفكرة ومنطلقها المناسب لرمسيس الثاني لأجل تجذير نفسه على كرسي الحكم, فقادش كانت مناسبة لهذه الخطوة والمهمة وشروطها, فهي تقع شرقاً لحدوده المصرية, وبالضفة الغربية لنهر العاصي جنوب بحيرة حمص بعدة كيلومترات في سورية, وكان يحكمها (الحثيين) الذين يعتبرون نداً مناسباً لكسب تلك الشروط, ولتعتبر معركة قادش هي أولى وأشهرالمعارك التي خاضها الملك رمسيس الثاني في صراعه مع الحيثيين حكام قادش.
 
وليتم تجهيز الجيش بقيادة رمسيس الثاني والذي بلغ النحو 22000 الف جندي ومقاتل, وبعدة متقدمة من العربات والتنظيم النسقي الدقيق للجيش وفيالقه, وربما كان عنصر ومميزة المفاجأة للجيش الفرعوني بقيادة رمسيس للحيثيين أحدى وسائله للنصر وتحقيق شروطه, وربما كانت تقديراته لجيش الحيثيين خاطئة مبدائياً, وليظن أنه ربما يفوقهم عدة وعتاد وتنظيم, ولكن المعركة والتي قد بدأت فعلياً حينما أقترب الجيش الفرعوني من مسير يوم واحد عن قادش, وتلك الأحداث الشبه الدرامتيكية قبيل وقوع المعركة بالفعل, ولعل دور الجواسيس كان مهما لرسم وتكتيكات مراحل هذه المعركة وبدايتها, وإذ يدمر فيلق (رع) المخدوع على أيدي الحوثيين بالقرب من نهر العاصي, وبل ضرب أعداد كبيرة من جيش رمسيس والفيلق (امون) الذي يقوده هو نفسه, وقد كانت نتيجة هذه المعركة مخيبة لتطلعات رمسيس, وبل لقربه من الهزيمة على يد الحيثيين, لولا معاهدة الهدنة والصلح التي أبرمت بين رمسيس والملك (مواتللي), ولتكون هذه أول معاهدة سلام في التاريخ عام 1258 ق م, لقد كانت المعركة قد أقتربت من هزيمة فعلية لرمسيس لولا تفكيره بالوقت المناسب بالهدنة والإنسحاب من المعركة وعقد تلك المعاهدة.
 
لقد رجع رمسيس شبه مهزوم لبلاط الحكم, والذي كان بالمفترض أن يرجع وهو منتصر أنتصار الجبابرة, وعلى الأقل كما جرى مع أسلافه الحكام من الفراعنة السابقين, ولكنه اثر البديل والشكل الدعائي للبطل عن الشكل الحقيقي, فقد جند شعبه المصري الفرعوني لبناء التماثيل الهائلة الضخامة والكبر لشخصه الفرعوني, وليصور نفسه أمام شعبه كآلهة حقيقية برموزها المنقوشة بدقة على جدران المعابد الفرعونية وعلى الجبال, ولتنسج كل الحكايات الواهمة للبطولة لأجل التشريع المناسب للفرعون الإله.
 
إذا هذه وسيلة تاريخية لإضفاء الهالة والمجد للحاكم المطلق الإله, ولعل التشابه بين الفواصل التاريخية بالقديم, وبينها بالتاريخ الحديث تصبح شبيهة للخيال والأسطورة, ولعل الحديث عن حقبة من التاريخ القديم ولجزئية الحكم من الأباطرة والملوك بذاك الزمن الغابر تجعل المنظور الأني أو بهذا الزمن ذي أعتبارات غير شرعية, أي الروابط والعلاقات التاريخية تأخذ تطوراً مستمراً بكافة الوجوه, ومن ضمنها أداة الحكم وصفة الحاكم, فدولة الفراعنة العظيمة كان لها خصوصيات وشروط أبداً لا تنسجم مع هذا التاريخ الحديث, فآلة الحرب بالقديم ليست هي آلة الحرب اليوم, وأسباب قيام المجد وشروطه بالأمس الغابر ليست هي شروط هذا اليوم, فهالة حكام الأمس الشبه مؤلهين بالمفترض ليست هي شروط حكام اليوم أبداً.
 

أنا ربكم الأعلى فأعبدون, هذا ماقاله فرعون لشعبه, فهل يصح أن يقول ذلك القول حاكم اليوم بهذا التأريخ الحديث, فالفكر, والنهضة, والعلم, والحداثة بكافة أشكالها تنفي ذلك, وبل العقل سيصبح بحالة من الجنون اللامنطقي بهذا الزمن أن قيل ذلك, سيتجاوز العقل والفكر الثوابت التي تعرف عليها نزولاً, فلا وصف هنا لحالة المتلقي أبداً, فكلمة تخلف ستكون دون مستوى العبارة, وكذلك كلمة الجهل أو المرض, فالمرادف سيكون غريب الطور لمفهوم أنا ربكم الأعلى فأعبدون.
 
فهل يحدث هذا الخبر اليوم ؟ هل سيستوعب الفكر وعقل اليوم هذه العبارة الشاذة ؟ هل من المنطق أن تسير الأمور نحو هذا الجدار البائد النخر البنى ؟
 
لغة التخاطب اليوم بين بني البشر قد تغيرت كاملتاً من الأداة الى الفكر, من معرفة الحقوق الحياتية البسيطة الى حقوق عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له, أنه المعرفة العليا الشفافة لحياة الإنسان بالحياة الكريمة, الإنسان الذي كرمه الله اولاً بالعقل وثانياً بالكرامة.
 
هل هناك مراسلات ما من فرعون القديم لإنسان اليوم, أو هي مراسلات خاصة بين حاكم التاريخ القديم الى حاكم التاريخ الحديث ؟
 
محمد الجراح / ليبيا
حركة العصيان المدني بليبيا
Freebird_freeland@yahoo.com
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة